لأنه إنسان..فهو أحمق كما جرت العادة لأنه عنيد..فهو غبي بالتأكيد لا يريد أن يستسلم لحقيقة أنه سيظل و سيموت وحيداً مهما حاول...مهما تعلق بهذه الكائنات البشرية.. مهما ظن أنهم يهتمون بأمره... فكلما جاء وقت الجد و قرر البوح..لم يجد أحداً هنا.. لم يجد سو ظله الثقيل جالساً أمامه في غرفته الموحشة.. ظله محني الظهر..مطأطئ الرأس.. لا يقوى على الاستماع إلى شكواه فيقرر أن يكتم لسانه و يمنعه من الحديث و أن يحاول غداً مرة أخرى أن يبوح... إنسان..أحمق كما جرت العادة...عنيد..غبي... لا يريد أبداً أن يستسلم للحقيقة
بعد أن ارتدت بزة نسائية، سوداء، محتشمة جلست على كرسي صغير أمام المرآة الضخمة في جناحها الفخم داخل القصر.. كانت قد أفاقت من إغمائتها الثانية منذ دقائق معدودة.. نظرت لنفسها... ثم أسندت ظهرها إلى الخلف و رفعت رأسها لأعلى فاردة رقبتها فهي ترفض أن تكون رمزاً للإنكسار أمسكت ببروشاً ذهبي على شكل قطة متوحشة لطالما ذكرتها بنفسها..ثم علقته فوق قلبها أمسكت بعدها بزجاجة العطر الفرنسي و أخذت تتعطر و هي ترفض أن تصدق.. أن تصدق أنها أصبحت ملكة سابقة...لا، بل هي مخلوعة.. ذاهبة بلا رجعة... وضعت الزجاجة و مرة أخرى نظرت لنفسها في المرآة.. تأملت تجاعيد وجهها التي حاولت كثيراً إخفاؤها لتكون ملكة لامعة أخذت نفساً عميقاً ثم أخرجته بعنف مصطحباً معه دمعة صغيرة حرصت أن تخفيها في لحظتها.. وقفت و هي لا تزال تسمع ابنيها و هما يتصارخان في غرفة قريبة، و ربما أيضاً تكون قد سمعت شئ زجاجي ينكسر نظرت لنفسها نظرة أخيرة في المرآة ثم استدارت للخلف و خرجت من غرفتها.. كان زوجها المخلوع من شعبه يجلس على عرش مكسور مثله.. يقف أمامه رجل في بزة عسكرية يتوسل: أنا آسف يا ريس بس مفيش حل تاني خلاص رفضت أن تسمع هذا الحديث مرة أخرى فقاطعتهما: أنا جاهزة قال لها زوجها كارهاً: ارتحتِ انتِ و ابنك؟ فردت ساخرة: أنا ماضربتكش على إيدك، أنا كنت باقول رأيي و انت بتقتنع، عالعموم أشوف وشك بخير... غادرت الغرفة تتبعها زوجة ابنها الأصغر و خادمة واحدة بعد أن امتنعت بقية الخادمات عن الحضور اليوم.. صعدت إلى الطائرة التي ستحملها إلى لندن وطن أمها الراحلة.. لم تنظر للقصر بعدها مصممة أن تكون آخر ذكراها عنه أنها كانت تتعطر أمام مرآة في جناح ملكي فخم
أكاد أرى ما سيحدث فى المستقبل ما سيكتب فى كتب المدارس أو ما سيقال فى برامج التليفزيون في ذكرى الثورة بعد عشرات السنوات ربما سيظل التاريخ يحكي أن كان هناك رئيساً قال له شعبه إرحل بجميع لغات العالم يمكن يفهمبس طلع مابيفهمش عملوا له زار يمكن عفريت و يطلع..و برضه ماطلعش أنا فعلا متخيل الحديث عن ذلك الرئيس اللي شعبه عمله زار ------------------------------------------ توثيقا للزار http://www.youtube.com/watch?v=pUzW2koJEE8
عندما يقف الزمن عند لحظة زمنية محددة و تتوقف عقارب الساعة عن الحركة عندما تسمع أنفاس باتت مستاءة من وجودك أنفاس تخرج من هؤلاء الذين كانوا الأقرب و آخرين كان يفترض بهم أن يكونوا من المقربين عندما تشعر كم أنك اصبحت ثقيل و أن وجودك لم يعد يسبب سوى الألم لهم و لنفسك يكون عليك عندها أن تضع حداً لكل هذا و أن تكون رجلاً مسئولاً عن قرارك لمرة واحدة في حياتك القصيرة أن ترحل جالباً لهم السعادة و الراحة الراحة..الراحة...ألم يقولوا من بعدك الراحة؟ تشعر بدوار يصاحبه عدم وضوح في الرؤية...صور متقطعة لحياتك تتخللها صور أخرى غير واضحة لسائل أحمر لزج فلتدخل في إغماءة الآن... فلتستسلم للإغماءة
كان الشارع ضيقاُ و مزدحماٌ بالسيارات مثل معظم شوارع الاسكندرية في تلك الفترة من العام.. و لكن هذا الشارع خاصة كان أضيق من المعقول و رصيفه أصغر من المقبول يجعلني أتلفت لأنظر خلفي كل بضعة ثواني لأتحاشى السيارات القادمة بسرعة بالكاد يكفي الرصيف أن يمر فوقه شخص واحد فظللت أمشي بهوادة و أتلفت خلفي حتى وقعت في مأزق.. كانوا يقفون على الرصيف.. حوالي خمسة منهم و هو الذي لا يتحمل شخص واحد رأيتهم من بعيد و ظللت أقول لنفسي أنهم سيفسحون عندما يرونني قادماٌ حتى أستطيع أن أعبر و هذا بالضبط هو ما لم يحدث لحاهم كثيفة جداٌ و شعثاء حتى أصبح لها شكل منفر تكاد تتلاشى في عيني ناظرها عندما يتداخل معها دخان سجائرهم ذو الرائحة المقززة عندما اقتربت سمعتهم يتمتمون بكلمات ذات طابع ديني الحمد لله.. و المزيد من نفس القبيل عندما أصبحت أمامهم تماماٌ توقعت أن يفسحوا لي الطريق و هو ما لم يحدث فما أن رأوني حتى سكت كلامهم و أخرج كل منهم سبحته نظر كل منهم في جهة..إلى السماء ربما أو إلى الأرض متع أحدهم نظره بتلك الحسناء التي كانت تعبر الجهة المقابلة متمتماٌ " استغفر الله العظيم..سامحني يا رب " اضطررت في النهاية أن انزل عن هذا الرصيف الضيق لأكمل طريقي و ما أن فعلت حتى سمعت خلفي صوت سيارة تحاول التوقف بصعوبة نظرت خلفي فرأيت قائد السيارة يصرخ فيّ "هو في كده؟؟ " قلت له"مش تفتح؟؟؟ " فرد " انت ايه اللي بينزلك من الرصيف مرة واحدة كدة ؟؟؟ " نظرت انا و هو في نفس تلك اللحظة إلى هؤلاء الخمسة على الرصيف فأحسست به يكظم غيظاٌ داخله ثم قال لي "خلاص اتفضل أنا آسف حصل خير" فقلت له "لا ولا يهمك انا كمان غلطان" مررت بجانبهم ثم صعدت فوق الرصيف لأكمل طريقي فأحسست بهم يعودون لوضعهم الأول ليكملوا كلامهم سمعت أحدهم يتمتم " لا حول ولا قوة إلا بالله، الناس بقيت غريبة قوي، ربنا يهديهم " فارتسمت على وجهي ابتسامة تحاول أن تخفي غيظاٌ يشتاط بداخلي